ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
141
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
عن حلها فهم يعلمون أنها قدح فيما علموه بالحس والاضطراب . فمن قدر على حلها وإلا لم يتوقف حزمه بما علمه بحسه واضطراره على حلها . وكذلك الحال في الشبه التي عارضت ما أخبر به الرسول صلى اللّه عليه وسلم سواء ؛ فإن المصدق به وبما جاء به يعلم أنها لا تقدح في صدقه ولا في الإيمان به ، فإن عجز عن حلها فإن تصديقه بما جاء به الرسول ضروري . وهذه الشبهة عنده لا تزيل ما علمه بالضرورة ، فكيف إذا تبين بطلانها على التفصيل ؟ يوضحه . ( موافقة صريح العقل لصحيح النقل ) الوجه الحادي والأربعون وهو : أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم بين مراده . وقد تبين أكثر مما تبين لنا كثير من دقائق المعقولات الصحيحة ، ومعرفتنا بمراد الرسول صلى اللّه عليه وسلم من كلامه فوق معرفتنا بتلك الدقائق إذا كانت صحيحة المقدمات في نفسها صادقة النتيجة غير كاذبة فكيف إذا كان الأمر فيها بخلاف ذلك ؟ فتلك التي تسمى معقولات قد تكون خطأ ولكن لم يتفطن لخطئها . وأما كلام المعصوم صلى اللّه عليه وسلم فقد قام البرهان القاطع على صدقه ، ولكن قد يحصل الغلط في فهمه فيفهم منه ما يخالف صريح العقل فيقع التعارض بين ما فهم من النقل وبين ما اقتضاه صريح العقل فهذا لا يدفع . ولكن إذا تأمله من وهبه اللّه حسن القصد وصحة التصور تبين له أن المعارضة واقعة بين ما فهمه النفاة من النصوص وبين العقل الصريح ، وأنها غير واقعة بين ما دل عليه النقل وبين العقل . ومن أراد معرفة هذا فليوازن بين مدلول النصوص وبين العقل الصريح ليتبين له مطابقة أحدهما للآخر ، ثم يوازن بين أقوال النفاة وبين العقل الصريح ، فإنه يتبين له حينئذ أن النفاة أخطئوا خطأين ، خطأ على السمع ، فإنهم فهموا منه خلاف مراد المتكلم ، وخطأ على العقل بخروجهم عن حكمه . الثاني والأربعون : أن المعارضين بين العقل والنقل الذي أخبر به الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد اعترفوا بأن العلم بانتفاء المعارض مطلقا لا سبيل إليه ، إذ ما من معارض نفسه إلا ويحتمل أن يكون له معارض آخر . وهذا مما اعتمد صاحب « نهاية العقول » وجعل السمعيات لا يحتج بها على العالم بحال .